مقالات

*د. عبد المحمود النور محمود يكتب: على شرف الاستاذ علي عثمان محمد طه

ذات يوم اتصل بي سكرتير الشيخ الأستاذ / علي عثمان محمد طه ( فك الله أسره ) ، وكان وقتها قد ترجل من منصب النائب الاول لرئيس الجمهورية ، وكنت حينها لم يمض على تكليفي بمتصب وزير التربية والتعليم ولاية الخرطوم سوى عام واحد تقريبا .. ( السكرتير) قال لي أن الشيخ يطلب حضورك ، تساءلت في نفسي كثيرا ياترى ما هو الموضوع الذي يريدني فيه ، فليس هناك ملفات مباشرة بيني وبينه ، وليس هناك صفة ( رسمية أو تنظيمية ) تربطني مباشرة به ..
بالفعل ذهبت وقابلته في الموعد المحدد .. وما أدهشني وقتها ذلك الهم الكبير الذي كان يسيطر عليه ، واستشعاره للمسؤولية العامة تجاه المجتمع والدولة .. فقد دار حوار مثمر حدثني فيه الرجل عن هموم وتحديات تربوية عديدة من بينها ما يعتري مستقبل وهوية الأجيال القادمة وهو يرى التعامل السيء لغالبية المجتمع مع “اللغة العربية” ، وذكر لي شواهد كثيرة نمر بها يوميا ولا نلقي لها بالا ؛ مثل ( لافتات المحال التجارية التي باتت تكتب بمسميات من لغات أجنبية ، بالإضافة إلى كثرة الأخطاء في استخدامات اللغة العربية في الحياة العامة ) ..
وتحدث معي كذلك عن خطورة توجه قطاعات مقدرة من المجتمع نحو مدارس التعليم الأجنبية بما فيها رياض الاطفال التي باتت تهتم باللغة الإنجليزية على حساب اللغة الأم ( العربية ) ..
وتحدث معي عن كثرة القنوات الفضائية التي أصبحت تستحوذ على اهتمام معظم الأطفال وتقدم لهم مواد فيها تشوهات كثيرة خصما على لغتهم الأم وثقافتهم وهويتهم ، وتساءل عن القنوات التربوية ..
الرجل بذكائه المعهود ألمح لي عن كل ذلك واوصل لي رسائل مهمة بشكل غير رسمي وغير مباشر ، بعد أن استشف من نقاشه معي الابعاد والمنطلقات التي انطلق منها في قيادتي للوزارة..
حقيقة كان حديثه كافيا ليعيد ترتيب كثير من الملفات والأولويات في ذهني تجاه ضرورة البحث عن معالجات وبدائل تربوية وتعليمية ، حيث كنت وقتها مهتما جدا بإدخال مواد تعزيزية لتدريس اللغة الإنجليزية بدءا من الصف الثالث أساس بسبب تقارير تعليمية عن ضعف اللغة العربية والإنجليزية ، وكنت قد قمت بإنشاء إدارة مستحدثة للتعليم الأجنبي “المدارس الانجليزية” ، لأنه كان تعليما يتيماً لا توجد جهة مسؤولة عنه داخل الوزارة رغم تناميه المتزايد بسبب كثرة الطلب عليه ، فقد كان يتبع للتعليم الخاص لكن دون خصوصية ، ودون اشراف ولا توجيه فني ، ودون رقابة من الوزارة ..
خلاصة الأمر .. لقد لفت ذلك الحوار انتباهي إلى طريقة تفكير هذا الرجل ، وان همومه واهتماماته الكبيرة لم تكن قاصرة فقط على قضايا الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشائكة جدا ..
كان حواره مفيدا ومفعما بضرورة تقوية الشعور بالحفاظ على هوية هذه الأمة ، وبرعاية أجيالها الذين هم أمانة في اعناقنا ؛ وبأن لا ندعهم لقمة سائغة للاستلاب الثقافي والفكري ، وبأن ننجر وراء مطلوبات العصر من دون أن نحصنهم بموروثاتنا الحضارية والثقافية وعلى رأسها الاهتمام بتمكين اللغة العربية أولا ومن ثم الاهتمام باللغات الأجنبية الأخرى ، وتطرق الحوار إلى الدراسات العلمية التي أجريت في هذا الإطار ، وان دول الغرب نفسها تهتم بتدريس اللغات الام لأبناء المهاجرين اليها ..
ما أردت أن ألفت الإنتباه اليه أن الأستاذ علي عثمان ، رغم عدم شغله منصب رسمي أو تنظيمي في ذلك الوقت ، لكنه سخر وقته واهتمامه بقضايا أمته وشعبه ووطنه ، فكانت همه وشغله الشاغل بشكل زاد من مكانة واحترامه عند الكثيرين ، فقد سخر جهوده لهكذا قضايا وهكذا تحديات ..
ليس ذلك فحسب فقد تحدث معي ايضا عن قرار كنت قد اتخذته بخصوص تعديل زمن الحضور للمدارس صباحا بسبب موجة الشتاء القارس التي اجتاحت البلاد في ٢٠١٤ حيث وجد ذلك القرار استحسانا مجتمعيا كبيرا ، تحدث عنه بعض خطباء المساجد وشملونا بصالح الدعاء ، وقامت مبادرات طوعية في هذا الصدد مثل (مبادرة جانا الشتاء ) التي تركت بصمة إيجابية في تحريك اعمال الخير قدم فيها اطفالنا في المدارس ما زاد عن حاجتهم من ملابس الشتاء لغيرهم من الأطفال والطلاب المحتاجين في بعض المناطق الطرفية ، وكان رأي الاستاذ علي عثمان ان مثل هذه القرارات التي تراعي مصلحة الأبناء والمجتمع مطلوبة بشدة لأننا جئنا لنخدم الناس ، ومطلوب منا أن نراعي سلامتهم ومصالحهم ونخفف عليهم فنظم ولوائح الدولة ليست يجب أن تكون مستجيبة للمتغيرات ، مشيرا في ذلك إلى الدراسة العلمية التي قدمناها في الوزارة عن ضرورة تعديل التقويم الدراسي ليبدأ في شهر سبتمبر تجاوزا لمخاطر الأمطار التي زادت معدلاتها في فصل الخريف ..

> T T:
الاستاذ علي عثمان أراد أن يقول لي ولامثالي من الشباب الذين تسنموا مواقع وزارية في الدولة أن منهجنا يحب أن يكون علميا ومبدعا في إدارة الشأن العام ، وان علينا أن نقدم افضل مما قدمه الذين سبقونا كما ونوعا ..
انتهزت الفرصة في ذلك اللقاء واهديته أجندة المعلم التخطيطية ، ونورته ببعض ما انجزناه في الوزارة وما نود إنجازه مثل ملتقى الخرطوم للتعليم المبتكر ، ومشروع التعليم الالكتروني ، ومشروع تحسين البيئة المدرسية ، وقلت له أنني في الوزارة مهتم بإعداد مقرر تعزيزي يعالج بعض الإشكالات السلوكية المرتبطة بإنسان ولاية الخرطوم ، وهي مسؤولية كلفني بها الاخ والي الخرطوم د. عبد الرحمن الخضر ( فك الله أسره) ، حيث كان مهموما أيضاً بأن الخرطوم كعاصمة “تريفت” تماما وأصبحت قرية ريفية كبيرة بدلا عن كونها عاصمة متحضرة ومتطورة ، وهذا تحدي كبير يحتاج لمعالجة تربوية تنقل انسانها نقلة نوعية تسهم في تغيير سلوكه إيجابا حتى تصبح عاصمة تليق بماضي وحاضر ومستقبل السودان ، وتحتاج كذلك إلى معالجات خدمية وتنموية كبيرة ، لكن لن ينجح كل ذلك مالم يكن سلوك مواطن هذه الولاية إيجابيا وداعما لهذه التوجهات والمعالجات ، ولذلك وضعنا مقررا تعزيزيا مصاحبا اسمه ( التربية المدنية والمواطنة الصالحة ) ، وكان سؤال الاستاذ علي عثمان هو اين دور الوزارة الاتحادية والمركز القومي للمناهج من ذلك ، وطمأنته أننا عرضنا هذا المقرر على مدير المركز وتمت الموافقة المبدئية عليه .. فتفضل الاستاذ علي عثمان مشكورا باستضافة جلسة تفاكرية في بيته دعى لها عدد من المختصين والمهتمين لاثراء هذا المقترح بالرأي والنقاش..
هكذا كان هذا الرجل الشامل الذي تلمس فيه كافة صفات رجل الدولة المسؤول الذي ينظر إلى الامور بأبعاد متعددة ورؤى عميقة تسهم في صناعة القرار الصحيح ..
فك الله أسره وأسر جميع المظلومين ..
#هكذا_كانوا_يفكرون_ويعملون

https://www.facebook.com/sudanytv
https://t.me/joinchat/2F84hiRu_tEzMDA8
https://twitter.com/SudanyTv
https://sudanytv.com/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *